إِتحَافُ الُّنَجَباء بِبيَانِ مُرادِ الشّيخِ عُثمَانَ السَّالمِي مِن كلامِه ِحَولَ إِغلَاقِ المسَاجِدِ بِسبَبِ الوبَاء

إِتحَافُ الُّنَجَباء
بِبيَانِ مُرادِ الشّيخِ عُثمَانَ السَّالمِي
مِن كلامِه ِحَولَ إِغلَاقِ المسَاجِدِ بِسبَبِ الوبَاء

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين

أمَّا بعد ……

فقد تكلّم شيخنا عثمانُ بن عبد الله السالمي ـ حفظه الله ـ في خطبته الواقعة في الخامس والعشرين من شهر رجب لعام 1441 هجرية عن التوكل على الله وتعرّض في خطبته للحادثة العامّة الواقعة هذه الأيام (فيروس كورونا) وذكر أن من أسباب الوقاية منه الترفع عن المعاصي، وإغلاق أماكن الفساد والفجور؛ أمّا المساجد فإغلاقها غير صحيح، ولو أفتى من أفتى فما عندهم دليل.

فجاء بعض الناس واصطاد في الماء العكر دون تثبت وتأنّي فأنزل كلام الشيخ على دولة بعينها، وقال: إنه يريد بذلك تخطئة كبار العلماء في فتواهم بإغلاق المساجد والتشهير بولاة الأمر؛ ولو تأنّى هذا المعترض وتثبّت لتبيّن له خلاف ما ظنّ.

فالحاصل أن شيخنا تكلّم بكلامٍ عام بالنسبة للدعوة إلى إغلاق أماكن الفجور في أي بلد كان، ولم يقصد بلدا معينا.

وبالنسبة لقوله: “إغلاق المساجد غير صحيح” فقصده ـ حفظه الله ـ في البلدان التي لم يحل فيها الوباء كاليمن وغيرها؛ لعدم وجود المقتضى الشرعي لذلك.

أما ما قرّره ولاة الأمر في البلدان التي حصل فيها الوباء من إغلاق المساجد والصلاة في البيوت، وفتوى علمائهم بذلك فلم يعترضْه الشيخ وقد نبَّه ـ حفظه الله ـ إلى هذا في مجالس أُخرى بعد الخطبة ومنها: المجلس الواقع في ليلة التاسع والعشرين من شهر رجب 1441 هـ وإليك أخي القارئ نصُّ كلامه في هذا المجلس:

قال ـ حفظه الله ـ: “إلى الذين يشكون من عدم حضور صلاة الجمعة والجماعة بسبب مرض كورونا وغيرها من الأمراض العامة كالطاعون والوباء أو المنع من جهة الحكومات نقول: لا تهنوا ولا تحزنوا؛ فمن كانت نيته حسنةٍ وكان محافظاً على الصلوات في أوقاتها في المسجد فإن شاء الله يُكتَب له ما كان يعملُ مُقيماً صحيحاً كما ثبت عن عبدالله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ عن النبي r أنه قال: “إذا كان العبد على طريقة حسنة من العبادة ثم مرض قِيلَ للملك الموكَّل به: اكتب له مثلَ عمله الذي كان إذْ كان طليقا حتّى أطلقه أو أقبضه إليّ” رواه أحمد وهو حديث حسن.

وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله r : “إذا مرض العبد (أي الصالح) أو سافر كُتِب له مثلُ ما كان يعملُ مقيماً صحيحاً” رواه البخاري إلا لفظة “مُقيماً” انتقدها بعض أهل العلم؛ ليس لها شواهد كثيرة.

على كُلٍّ في هذا بِشارةٌ عظيمةٌ للمسلمين الذين يحافظونَ على صلاةِ الجُمُعةِ وكذلك على غيرها من الأعمال الصالحة، ثم عوَّقَهم المرض أو عُذرٌ آخر فقد جاء في الصحيح من حديث جابر ـ رضي الله عنه ـ وغيره أن النبي r غزا فلما كان في الطريق قال: “إن رجالاً في المدينةِ ما قطعتم وادياً ولا سِرتم مسيراً إلا وهم معكم شركوكم في الأجر حبسهم العُذر”.

فهؤلاء شركوا المجاهدين بالنّية الصالحة ـ إن شاء الله ـ فالنيّة الصالحة تجعلك مأجورا وأنت في بيتك مع أولادك.

 فنقول للذين ابتلوا في البلاد التي نزل فيها الطاعون أو هذا المرض: وإن صليتم في بيوتكم ـ مادام أن الأطبّاء والحكومات قد أطبقت على أنَّ هذا المرض ينتقل وأيضا قد منعوكم ـ صلّوا في بيوتكم، وأنتم مأجورون على ذلك ـ وإن كنتم أصحاء ـ كما يقولون: بسبب الوقاية؛ فلا تعارضوا العلماء الذين أفتوا أو الحكومات التي أمرت بإغلاق المساجد، ولا تبقوا تتكلمون فيهم؛ ونبشركم أيضا بقصة أهل الحديبية فإن النبيَّ r خرج معتمرا ـ مع أصحابه ـ وأخذوا الإبل والنحائر حتّى وصلوا إلى الحديبية فمنعتهم قريش من دخول مكة ـ عند ذلك ـ فنحروا وحلقوا فكُتِبت لهم العمرة ورجعوا طيبي النفوس بعد ذلك؛ والدليل على أنها كُتِبت لهم عمرةٌ تامّة: أن النبي r اعتمر في العام المقبل ولم يأمر من اعتمر معه أن يقضي لأنه قد عمل ما هو مشروع له من حلقٍ ونحرٍ؛ فصارت عمرةً تامةً ـ بحمد الله ـ وهذا قول الجمهور من العلماء.

وأنت أيُّها الأخ الكريم ما دام أنك ممنوع أن تصلي في المسجد لا جمعةً ولا جماعةً فابقْ في بيتك ونرجو الله أن يأجُرَك أجر جُمعةٍ وجماعةٍ، وأقبل على الله بقراءة القرآن وأنت في بيتك مع أولادك ـ وصلِّ بهم جماعةً لكن لا تصلِّ بهم جمعةً في بيتك فهذا لم يفعله السلف فيما نعلم ولا الصحابة لا قبل الهجرة ولا بعدها وعلى هذا جماهير العلماءـ.

حتّى أن كثيرا من أهل العلم يشترطون أن تكون الجمعة في المسجد؛ ومن الشافعية من قال: يجوز في الساحات الواسعة التي تجمع الناس في القريةِ أو المدينةِ؛ أما جمع كثير من أهل العلم فيقولون: لا بُدّ أن يكون في مبنى ولو كان المبنى من الخشب أو الزِّنك أو من الطين؛ كما ذكر ذلك النووي في المجموع.

فإذا كان الناس من حولك مرضى فلك أن تصلي في بيتك ـ خصوصاً ـ وقد أمرتك الجهات المختصة بذلك فلا تشغل نفسك بالأميرِ الفلاني ولا المفتي الفلاني؛ فإنّما أرادوا نفع المسلمين ـ نسأل الله لهم التوفيق والرشادـ

وأنا كنت قد تكلمت أنه ليس هناك دليلٌ واضحٌ لِمنْ يَمنعُ الصلاةَ في المساجدِ؛ لكنِّي أرى هذا في البلاد التي ليس فيها أمراض، وليسَ فيهَا أيُّ مُشكِلَة.

فَالمُعَارضَاتُ لا نحتاجها ولهم اجتهاداتهم – يعني العلماء والامراء – وما أرادوا إلَّا الخيرَ للناسِ فهم يرون أنَّ هذا المرضَ يُعدِي بِسرعَة لكنْ نقول: العدوى أيضا لا تنتقل إلَّا بِإذنِ الله وهم عَمِلوا بالاحتياط وعلى كُلٍّ نبشر إخواننا أنهم مأجورون ولو صلَّوا في بيوتهم “.  انتهى كلام الشيخ ـ حفظه الله ـ.

قلتُ: فهذه الكلمة تُعتبر ناسخةً لِمَا تُوهَّمَ مِن كلام الشيخ في الخطبة المذكورة؛ والحمدُ لله الذي بنعمته تتمّ الصالحات.

  

كتبه
أبو الحارث سياف بن الحسين العيَّاشي
بعد فجر يوم الأربعاء في الثامن من شعبان 1441 هـ